شاهدت في أحد المنتديات المجاورة عرضاً بسيطاً لرواية " السّجينة " لـ مليكة أوفقير .. كان العرض مغرياً لأن يدفعني للبحث عن تلك الرواية وتجربة قراءتها .. واستكشافها بنفسي ..وبالأمس فقط .. أنتهيت من قراءة الرواية ..
عندما بدأت في قراءة الصفحات الأولى بما في ذلك مقدمة الكتاب .. تبين لي أن الكاتبة تدين باليهودية " ميشيل فيوتسي " ..وأنها بدورها قامت بكتابة الرواية على لسان " مليكة أوفقير " .. وتلك الأخرى لم تكن أفضل ديناً من صاحبتها .!!أردت أن أمر على فهرس الكتاب مروراً سريعاً .. بعض العناوين جعلتني أشعر بالتقزز .. إلا أنني عزمت على القراءة ..
الرواية تحكي سيرة عائلة الجنرال المغربي " أوفقير " .. الرواية مأساوية لأبعد الحدود .. فمن الحياة الملكية في القصور .. والبذخ الفاحش .. إلى حياة الموت والعذاب في أتون السجن !!فبعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي قام بها الجنرال أوفقير .. كان مصيرة الموت بعد عدة طلقات استقرت في جسدة ..مما جرَّ الويلات والعذابات لعائلتة .. فقد تلذذ الملك الحسن الثاني في دفنهم أحياء .. والزج بهم في غياهب السجون ..عشرين عاماً من أشد أنواع الاعتقال وأقساها .. كانت كافية لأن تسلخهم من إنسانيتهم ..!!
من المفارقات المضحكة والمبكية .. أن " مليكة " أبنة الجنرال أوفقير .. قد عاشت ردحاً من الزمن في قصور الملك ..بعد أن تبناها لمدة خمسة عشر عاماً .. وأشرف على تربيتها بنفسه .. وكانت طفولتها وصباها وذكرياتها في البلاط الملكي !!فقد عاشت حياة الأميرات .. لم يكن وضعها مختلفاً عن أي أميرة من أميرات القصر الملكي .. كان الملك بمثابة والدها .. فكيف بالوالد أن يكون جلاداً ..!! وأن يسلب الحياة من عينيِّ صغيرتة !!..
مليكة التي عاشت بعيداً عن عائلتها لمدة خمسة عشر عاماً .. لم يمهلها الزمن أن تجرب الحياة والعيش في أحضان عائلة ..لكنها شاركتهم مرّ العيش .. وذاقت معهم الذل والمهانه في تلك القبور المظلمة التي دُفِنوا فيها ..عاينت معهم الموت في أبشع صوَرِةِ .. واشتاقت للموت كما يشتاق أحدنا للحياة !!..
أقسى ما في الأمر .. أن تسلب منك الحياة وأن تُمسخ من أنسانيتك .. فلا تشعر بالوقت ولا بالزمن لا باليلٍ أو نهار ..أن تأكل بيضة قد استحال لون قشرها إلى الأخضر .. فكيف بلبها !! .. أن تأكل الحشائش .. أن تتلوى من الجوع والبرد والخوف..أن تعيش في ظلمة بين الفئران والحشرات .. أن تنهشك الأمراض والأسقام .. ثم لا يد حانية ولا دواء ..صِراع مع المرض .. وكم يكون النصر مؤلماً في هذه الحالة ..!!
ما أمرّ وأقسى أن تسقط من برج عاجي ..
وتدفن تحت طبقات الوحل المنتن والباذخ موتاً وعذابا ..
الرواية رائعة وشائقة ومؤلمة .. تجعلك تشعر بالبرد والخوف والجوع ..كدت أن أقضي جوعاً مع هذه الرواية ..
أشعرتني بقيمة الحرية .. وبجمال الشمس والقمر والسماء ..وأن لا فرق بين السجن والموت .. إلا أن الثاني أرحم ..وأن الفرق بين حياة الطبقة البرجوازية ..وحياة الطبقة التي تقتات الجوع وتبحث عن الحياة في الموت ..هو الفرق بين " الحياة " و " الموت " !!..
و دمتم بنعيم الحرية
أخوكم // حسين السماهيجي


هناك تعليق واحد:
هذه الروايات من أصدق الروايات التي قرأتها في حياتي..
قراتها منذ أكثر من 3أو 4 أعوام !
خمسة أعوام إن لم تخني ذاكرتي..
قراتها ما يقارب الثلاث مرات وفي كل مرة تنتابني المشاعر ذاتها !!
مليكة أوفقير لها رواية أخرى قد اقتنيتها من معرض الكتاب هذا العام :)
روايتها الأخرى تحمل عنوان الغريبة..
تحكي عن ما عانته مليكة اوفقير بعد أن تخلصت وعائلتها من السجن الذي عاشوا فيها ردحاً طويلاً من الزمن..
للأسف أني لم أقرها حتى الآن..
فما أن رأتها والدتي بحوزتي حتى صادرتها لتقوم بقرائتها :P
وأم مليكة أوفقير أيضاً كان لها كتاب عن تجربتها بعنوان "حدائق الملك"..
ولكني لم أتشجع لقرائته.. الصفحات الأولى لم تشدني كما فعل كتاب السجينة :)
عذراً على الإطالة
PS
شدني حديثك عن الدين الذي تنتمي اليه كلتا الكاتبة + المترجمة :)
لم أستطع ربطه في واقع الأمر مع محتوى الرواية أو ما ترمي إليه في المقال
أرق تحية
الحرة للأبد
إرسال تعليق